آخر أخبار القلعة24
الرئيسية » كلام بالواضح » أمطار الخير المغيثة على البنيات التحتية المميتة
sidi ifni

أمطار الخير المغيثة على البنيات التحتية المميتة

استجابت الألطاف الإلهية لدعاء المغاربة في صلاة الاستسقاء الأخيرة، فأكرمتنا السماء بتهاطل تساقطات مطرية مهمة تبشر ببوادر مشرقة لموسم فلاحي جيد، ترتفع فيه حقينة السدود وتجري فيه مياه الأودية التي قتلت فيها سنوات الجفاف المتتالية كل مظاهر الحياة، ليعم الخير البلاد ويشمل كل العباد.

غير أن بشائر الخيرات المنتظرة قد عكرتها هشاشة البنيات التحتية وضعف التجهيزات، فهذه شرايين الطرق الوطنية الحيوية التي تربط الشمال بالجنوب والشرق بالغرب قد تقطعت أوصالها، وهذه قناطر “ما بعد الاستعمار” طبعا، قد أخذت تتهاوى كأوراق الأشجار، ومنها من لم تطفئ حتى شمعتها الأولى بعد ميلادها السعيد الذي كلف الملايير، وتلك مسالك قروية عمقت جراح الدواوير والمداشر المعزولة في أقاصي المغرب العميق، وتلك أحياء حاصرتها المياه الجارية فوق شبكات الصرف “المخنوقة”، وهؤلاء مواطنون يعانون قسوة الطبيعة، يتكبدون الخسائر في الأرواح والمتاع، ويستجدون فك حصار المياه الجارفة وينتظرون من يغيثهم في العراء …..

ماذا فعلت يد المسؤولين لترد كرم وعطف يد السماء؟

الجواب في ما اهتدت إليه قريحة السلطات بتشكيل خلايا لليقظة، خلف شاشات حواسيبها العقيمة وداخل صالوناتها المرهفة ومكاتبها المكيفة في عز البرد، والقابعة في الطوابق العلوية من صروحها المنيعة، حتى لا تطالها سيول المياه الجارفة التي أتت على البيوت الطينية والأسقف الصفيحية. خلايا كل همها أن تتبع الأحوال وترصد الأضرار وتتضرع للعلي القدير أن يمنع الأمطار، حتى لا تزيد الأخطار وتنكشف الأسرار.

فأين كانت يقظة السلطات، حين كانت تعبد الطرقات وتشق المسالك وتنصب القناطر وتربط شبكات الصرف الصحي؟ أين كانت يقظتهم للضرب بيد من حديد على كل من سولت له نفسه من المسؤولين أو المقاولين الفاسدين الذين طغوا في البلاد وأعتوا فيها الفساد متلاعبين بأرواح المواطنين؟

ما أدهشني أيضا، هو رد بعض المتتبعين، ممن يلتمسون العذر لبعض “إخوانهم” من المسؤولين، أن هول الفياضانات يهدد حتى الدول المتقدمة. كأنهم لا يعلمون أن الزخات المطرية التي تعرفها بلادنا ليست إلا مجرد قطرات تسقي حدائق هاته البلدان، وأن السيول التي تصل إلى هؤلاء القوم، تكون خطيرة إذا تجاوز متوسط التساقطات 150 ملم في اليوم الواحد. فبنياتهم تبقى راسخة مقاومة أمام عتبة الستين ملمترا التي تهاطلت في بلادنا خلال الثلاثة أيام المنصرمة.

الخطير في الأمر أن حرص المسؤولين على إنقاذ أرواح المواطنين المنكوبين لم يكن أكبر من حرصهم على إغاثة الأجانب الزوار، والذين سخرت مروحيات المغاربة لإجلائهم بعيدا عن الخطر وإنقاذهم بسيارات للإسعاف من فئة “5 نجوم”، في الوقت الذي بقي فيه “أولاد البلاد” يبكون حظهم التعيس في تواجدهم بمجاري الأودية، لحظة قدوم السيول الجارفة المحملة بالطين.

سخرية القدر لم تقتصر على الموت غرقا في أوحال المسؤولين المثقلة بذنوب الغش والتقصير في شق الطرقات ورفع القناطر ومد القنوات، بل طالت الضحايا حتى في حق إكرام دفنهم. إذ تفتقت قريحة بعض المسؤولين مرة أخرى، بضرورة استغلال عربات القمامة والنفايات لنقل الهالكين، بحجة صعوبة ولوج سيارات الإسعاف للمناطق المنكوبة.

سخرية القدر كذلك، أن لعنة الفيضانات لم تطل إلا من لا حول لهم ولا قوة إلا بالله من المواطنين البسطاء وامتدت يد الموت إلى أحد رموز المعارضة الأشاوس، والذين أخذوا على عاتقهم مهمة قض مضجع الحكومة التي نجت وحدها من موت محقق. هكذا أخبرتنا أدرعها الإعلامية “المؤلفة قلوبها”، فرئيسها الذي اختار أن يطير إلى نشاطه الحزبي في وجدة، قد كادت أن تسقط طائرته المحلقة على الأرض الجارية التي تركها لمواطنيه. ووزيره الخلفي الذي أنقذه فقط تأخره ساعة من الزمن من حصار محقق للسيول الجارفة في كلميم العائمة. أما باقي أفراد الحكومة، فمنهم من اختار الجلوس في بيته والاقتصار على الدعاء لإخوانه بإبعاد غم الأمطار وهم الحصار، ومنهم من آثر أن ينعم بليلة ساهرة في فضاءات مراكش البهجة، على هامش المنتدى العالمي لحقوق الإنسان.

هاته المرة، وقبل أن نتوجه للعلي القدير بصلاة استسقاء، فإنه علينا أن نتضرع لله، جل في علاه، أولا بصلاة “استصلاح” الطرق المتصدعة وتقوية المسالك المهترئة وترميم القناطر المتهاوية وتجديد القنوات المتآكلة.

في انتظار انقضاء الموسم الماطر،لا نملك إذن، إلا الدعاء إلى العلي القدير والرحيم بعباده، أن اللهم ارحمنا بخير أمطار رحمتك المبثوثة، واحفظنا اللهم من شر بنيات عبادك التحتية المغشوشة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>