الرئيسية » اقلام حرة » عبد الكريم ساورة.. الصحافة والسلطة بالمغرب أوجه من الصراع الشرس
saoura

عبد الكريم ساورة.. الصحافة والسلطة بالمغرب أوجه من الصراع الشرس

كان ضروريا أن يثير مشروع قانون الصحافة والنشر العديد من ردود الفعل من طرف المهنيين والباحثين وكل المشتغلين بقطاع الصحافة نظرا لما عرفته المسودة من نصوص “ملغومة” وخطيرة على الحياة الصحافية بالمغرب حسب تعبير العديد من الملاحظين .

وهنا نجد أنفسنا مجبرين بطرح السؤال الأساسي : من هي الجهة المستفيدة من بقاء العقوبات الحبسية لصيقة بعنق الصحافيين بالمغرب ؟ ولماذا لاترغب هذه الجهة في طلاق الصحافة طلاقا ببيونة كبرى ؟
كان يقول لفي ستراوس” الكلمات أدوات كل واحد منا يستعملها على النحو الذي يريد لكن شريطة أن يوضح نواياه ” ولنخرج من لعبة الكلمات والرموز وتوضيح النوايا، فالمستفيد الأول والأخير من مقصلة العقوبات على الصحافيين هي السلطة. ما السبب في ذلك ؟
نبيل بن عبد الله وزير السكنى وسياسة المدينة قال بالحرف بمدينة طنجة بإحدى اللقاءات الخطابية : ” الدولة غير جاهزة الآن لإزالة العقوبات الحبسية في جرائم المس بالتوابث ” و السؤال مرة أخرى ،هل هناك كفر واضح من طرف الدولة بقيمة الصحافة ؟
لايمكن التسليم بهذه الفرضية بشكل مطلق، لأن الصحافة أصبحت أمرا واقعا وضرورة حتمية بعد أن خرجت من المجهول إلى المعلوم وتحولت إلى شريك حقيقي في صناعة القرار الاستراتيجي للدولة في كل الأقطار.
وظهور الصحافة للوجود، لم يأت من فراغ وإنما جاء بعد مخاض طويل وحاجة بيولوجية لتحقيق التوازن بين السلطة الحاكمة والمجتمع ومد هذا الأخير مايكفي من المعلومات والأخبار والمعطيات ليكون أكثر تأهيلا لمواجهة أي طارئ جديد. وكانت سنة 1448 هي السنة المؤسسة لولادة هذه الصحافة تزامنا مع ظهور المطبعة والتي كانت حدثا تاريخيا في تغيير ملامح أوروبا.
المغرب بدوره استفاد من هذا الإختراع العجيب أثناء الاستعمار وكذا بعد الاستقلال، وقد لعبت الصحافة المسموعة والمكتوبة دورا أساسيا في تنشيط الدورة السياسية والثقافية الوطنية.
ولمحة سريعة على ماقامت به الجرائد الحزبية ( كأنوال والعلم والمحرر والاتحاد الاشتراكي والبيان ومجلة لاماليف) من أدوار رائدة في إنتاج الوعي السياسي والثقافي للبلاد وكذا المساهمة في صناعة التغيير بقوة رغم المضايقات والاعتقالات وتحرشات السلطة التي كان شغلها الشاغل هو” قتل” هذه الجرائد ماديا ومعنويا نظرا لما كانت تشكله من ” خطر ” على النظام القائم حسب اعتقاده في تلك الفترة الحرجة من تاريخ المغرب.
ومنذ تلك الفترة والتي اتفق أغلب المراقبين على تسميتها ” بسنوات الرصاص ” والسلطة تعمل بكل وسائلها على إرجاع الصحافة إلى بيت الطاعة والحجر عليها لكنها لم تتمكن إلا بعد موجة الاعتقالات والشطط الواسعين للعديد من الأقلام المناضلة داخل هذه الجرائد.
ولم تتوقف الحرب الطاحنة بين هذه الجرائد والدولة إلا بعد أن نزل منسوب القراءة منها و لكن ما فتئت الدولة تتنفس الصعداء حتى ابتليت بصحافة جديد مختلفة وجريئة أطلق عليها المهتمون ” بالصحافة المستقلة ” قادها مجموعة من الصحافيين الشباب الذين كانون يحلمون بمغرب جديد على حد تعبير (بوبكر الجامعي في حواره (بكرسي الاعتراف) بجريدة المساء عندما تحدث عن مشروع إنشاء مجلة لو جورنال ).
وبالفعل فقد كانت جريدة ” الصحيفة ” كواحدة من هذه الجرائد التي خرجت كطائر الفينق لتحلق بعيدا في سماء المقدس محاولة تفكيكه بكل الوسائل الصحافية الممكنة وخلق خط تحريري جديد يلامس الممنوع والمكبوت والمسكوت عنه، وبعدها جاءت مجموعة من الجرائد ومنها على الخصوص ” جريدة الأحداث المغربية ” والتي خرج أغلب طاقمها من رحم جريدة الاتحاد الاشتراكي وقد اتخذت هذه الجريدة توجها جديدا في الشكل والمضمون وفتحت مواضيع جديدة للنقاش العمومي من خلال صفحاتها وخاصة الجنس والدين بحيث فجرت كل ماهو مسكوت عنهما في تلك المرحلة وبذلك كانت من الجرائد السباقة لتحقيق ” دهشة الصحافة ” من خلال صفحة جديدة حملت إسم ” من القلب إلى القلب ” وقد تعرضت حينئد الى هجوم عنيف من طرف الإسلام السياسي واعتبروا الأمر “فسوق وقمامة القمامة ” يجب دفنها والتخلص منها لأنها “فروس” سيصيب الجميع وهو ماساهم في انتشار واسعا للجريدة وحققت بذلك جريدة الأحداث أعلى مبيعاتها في تلك الفترة . وبعدها جاءت مجلات وجرائد سواء باللغة العربية والفرنسية لتسكب المزيد من الوقود على جسد الدولة المترهل.
وأما هذا الإنزال العظيم، المفاجئ من الجرائد المستقلة والتي نزلت بردا وسلاما على قلوب المغاربة و التي لقيت تجاوبا كبيرا وتم معها هجر الجرائد الحزبية كنوع من المحاكمة والعقاب على ” تنكرها للجماهير الشعبية ” ، فقد كان منتظرا أن الدولة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا الاكتساح الهائل لجغرافية القراء والمتتبعين.
وهكذا فبعد تجريب كل الوسائل من منع وحجز ومحاكمات وغرامات ثقيلة وتهديد وتوقيف ، لم تفلح في وقف النزيف، مما زاد في ارتفاع وثيرة الصراع بين الدولة والصحافة إلى حد أصبحت كل التقارير الدولية تتحدث عن سوء الفهم الخطير الواقع بينهما، والذي أصبح يؤثر بشكل سلبي على صورة الدولة أمام المجتمع الدولي و السؤال : هل فعلا هو سوء فهم أم مسألة صراع وجود و تحكم ؟
أما م هذا الوضع المتشنج والذي لم تستسغه الدولة واعتبرته تجاوزا خطيرا مادامت صور الملك محمد السادس أصبحت تتصدر الصفحات الأولى للجرائد والمجلات وخصوصا مع ظهور مايسمى بصحافة السخرية، كانت جريدة ” دومان ” التي تم قطف رأسها مبكرا، السباقة إلى هذا النوع من الجنس الصحافي المثير وذلك سيرا على منوال ” الجريدة الفرنسية المشهورة ” لوكناغ أونشيني” ومنها تم الحكم على الصحافي الشرس ” على لمرابط ” ب 10 سنوات من عدم مزاولة مهنة الصحافة وقد اعتبرت كل الأوساط الحقوقية و الإعلامية الجريئة ” بالحكم الجائر والغريب ” ومما زاد الطين بلة ما صرح به وزير الاتصال والناطق الرسمي آنذاك ” نبيل بن عبد الله ” في إحدى الندوات الصحافية عندما صرح ” لا أعرف لماذا كل هذا التضامن مع “على لمرابط ” في إضرابه عن الطعام فهو لايعتبر صحافيا ” وهو التصريح الذي أثار غضب الجميع واعتبرته الأوساط الإعلامية آنذاك بمكافأة نبيل بن عبد الله للمخزن على استوزاره وبداية تصدع حزب المرحوم على يعتة. تم لحقت بها ” تيل كيل ” والتي تخصصت في العناوين المثيرة في السياسة والدين والجنس ، أو مايطلق عليه بالثالوث المقدس، وبعدهما لاحت في الأفق عناوين أخرى يصعب تحديد خطها التحريري والتي دخلت مرحلة مايصطلح عليه ” بالمقاولة الصحافية ” منها من اعتبرت الخبر مقدسا والتعليق عليه حرا وجزء منها من اعتبرت الخبر غيرمقدس والتعليق عليه ليس حرا إذا تعلق الأمر بأمر يخص السلطة.
وأما هذا الوضع الذي بدأ تنفلت منه لمسة الدولة السحرية وعسر تحكمها في دواليب النشر والكتابة فقد تفتقت عبقرية السلطة على مواجهة هذه الصحافة الشرسة بفتح أبواب النشر على مصراعيها وأعطت لكل شخص مادي أو معنوي أن يستثمر في هذا الميدان وكانت هذه بمثابة الضربة القاضية للصحافة المستقلة عندما دخلت عليها ضرتها والتي تم الاتفاق على تسميتها ” بصحافة المرحاض ” وهذا النوع ظهر بداية بفرنسا، وقد أتت هذه الصحافة بالمغرب على الأخضر واليابس وقدمت خدمة العمر للدولة في أوج ضعفها.
ووجب التذكير أن سوق الصحافة عرف مند تلك الفترة تراجعا خطيرا بسبب الخطوط الحمراء التي وضعت في حداء الصحافيين من طرف الدولة و كانت تكشر عن أنيابها لكل واحد يحاول أن يقترب منها أو يتجاوزها وزاد في تأزم الوضع صدور قانون الإرهاب والذي كان بمثابة الموت غير الرحيم لصاحبة الجلالة بالمغرب.
والملاحظ البسيط لجسد الصحافة بالبلاد الآن، يخرج بانطباع واحد وأوحد وهو الفوضى العارمة التي تخيم على هذا القطاع اليتيم من الأب والأم ( والتي أريد لها أن تكون كذلك ) خصوصا مع الظهور القوي للصحافة الالكترونية مما يصعب التحكم في المعلومة وصحتها وكذا كثرة المتدخلين بدون تجربة أو هوية حقيقية في هذا القطاع وكذا غياب تام لأي قانون أو أخلاق يؤطره وينظمه أحسن تنظيم.
أمام هذا المعطى الجديد الخطير فقد أصبح الجميع يطالب بإنزال الإصلاح والذي طالب به المهنيون مند 23 سنة، مند أن نظمت أول مناظرة وطنية في المغرب لإصلاح الإعلام عام 1993 والذي أوصت بضرورة إصلاح الإعلام والقوانين المنظمة له .
وهاهو مشروع قانون الصحافة الجديد والذي دافع عنه بشراسة صاحبه الوزير الإسلامي مصطفى الخلفي وزير الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة سابقا عندما بشر كل العاملين في ميدان الصحافة أن العقوبات الحبسية والسالبة للحرية غير متضمنين في المشروع المذكور.
بالمقابل كانت مجابهة الوزير قوية من طرف النقابة الوطنية والفيدرالية للناشرين والعديد من المتدخلين في القطاع والذين اعتبروا أن المشروع هو مجرد حق يراد به باطل وأن العقوبات لازالت تسكن قلب السلطة من خلال هذا المشروع الملغوم وذلك بالقيام بعملية إسقاط هذه العقوبات من المشروع واستنساخها في مشروع القانون الجنائي.
وهناك من ذهب بعيدا من الصحافيين الذين اعتبروا المشروع هو قانون التحكم والسيطرة الجديدين.(علي أنوزلا) من جانبه علي كريمي أستاذ القانون العام بجامعة الحسن 2 علق على المشروع أثناء ندوة بمجلس المستشارين حين قال : “لايمكن إسناد قضايا النشر لقضاة اعتادوا البت في قضايا السكر العلني والضرب والجرح “.
وعلى هذا الأساس فكل العاملين في قطاع الصحافة بكل أطيافها يطالبون في هذه المسودة من المشروع الجديد أن يتابع فيه الصحافيون بقانون الصحافة تيمنا بكل المهنيين الآخرين كالمحامين والأطباء والمهندسين وغيرهم فلماذا الصحافة هي الاستثناء ؟ ولماذا لايتم الاعتراف بجميلها وبأدوارها الكبيرة في البناء الديمقراطي كما تعمل أغلب الدول الديمقراطية ؟
فالبنسبة لألمانيا فقد دافعت المستشارة أنجيلا ميركل عن الصحافة في بلادها وأعربت عن رفضها المطلق لوصمها بأنها ” صحافة الكذب ” وذلك من خلال رسالتها الأسبوعية المتلفزة عبر الأنترنيت لكل يوم سبت، عندما قالت : ” أعتقد أن الإدانة الجماعية ليست في محلها على الإطلاق” واعتبرت ميركل أن مستوى جودة الصحف الألمانية جيدة جدا، بالمقارنة بماهو عليه الحال على المستوى الدولي وأضافت :” مايتم تقديمه (في هذه الصحف) مشوق كثيرا “.
وهانحن في المغرب نرى أن الصحافيين يعانون من الحق في الحصول على المعلومة خصوصا إذا كانت ذا ت طبيعة مالية أو مايتم تسميتها ” بالمادة السيادية ” وتبقى الصحافة الأجنبية هي من تتوفر على السبق والحظوة في كل شئ بما فيها الحوارات الصحافية مع المسؤولين المغاربة. والكل يعلم أنه في عهد الملك المرحوم الحسن الثاني لما سأله أحد الصحفيين الأجانب لماذا ياسيدي لاتجر حوارات صحافية مع الصحافيين المغاربة ؟ فأجاب : لايمكن فعل ذلك لأنه لايعقل أن أجري حوارا مع واحد من رعايا الأوفياء”.
وقد ظهر جليا ضعف الصحافة الوطنية وتهميشها من خلال “وثائق باناما” بحيث لم يتم اعتماد أية جريدة مغربية للمساهمة في تفكيك شفرة هذه الوثائق ونشرها وهذا كان مؤشرا على وهن بيت الصحافة بالمغرب.
وختاما لايمكن تحقيق البناء الديمقراطي دون فك عقد ” الزواج المكره ” بين السلطة والصحافة والعمل سويا في إطار احترام الأدوار وتثمينا لمبدأي التشارك والتعاون والنقد البناء مؤسسين لصحافة الوطن وتقدم الوطن على أساس الثقة والاحترام ورد الاعتبار لمكانة الصحافي والبعد عن هاجس الخوف الذي يسكن قلب السلطة من صاحبة الجلالة.
فَكِتاب المغرب ومستقبله أحب من أحب وكره من كره مشروط بتوقيع الصحافي النزيه علي مدخله لأنه في الأول والأخير، هو مؤرخ اللحظة على حد تعبير الفيلسوف الفرنسي ألبير كامي.
كاتب صحافي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>