الرئيسية » أقلام سرغينية » فـَــاتَ الميعادُ ياخديجة.. للأستاذ عبد الله لوريكة
louriga abdellah

فـَــاتَ الميعادُ ياخديجة.. للأستاذ عبد الله لوريكة

فـَــــــاتَ الميعادُ ياخديجة* (لكل زمن أحلامه) – للأستاذ عبد الله لوريكة

صَمْتً مُطْبِقُ كان يُخَيِّمُ على المنزل. الأبناء الكبار توجهوا إلى المقهى حيث يتفرجون على مقابلة في كرة القدم، تجمع فريقيهم المُفَضَّلَيْن ، بينما غرق صغيران في فضاء (الفيس) الأزرق، كل في غرفته.
جلست خديجة إلى جانب أمها المتعبة ،وهي تفحص بعض الملفات التي تحملها معها ،من مكتبها كل سبت، كالمعتاد.
فجأة كَسَّرَت الصمتَ سائلة :” أمي . هل تذكرين عندما وعدتِـنا بالذهاب ذات ربيع إلى موسم قبيلة خالتي الذي كان يقام على ضفة النهر؟”
هزت الأم رأسها،، في بطء هامسة :” نعم أذكر تلك الأيام ، ،،كأنها من عمر آخر ، وحياة أخرى.”
سُرَّت خديجة لِتَجَاوُبِ أمها، وهي التي لا تحاور أحدا ، منذ سنوات ،إلا ناذرا. واصلت : “كنتِ قد ضربتِ موعدا مع خالتي رحمها الله….كنا نترقب الموعد ونتحدث عنه فرحين …أتذكرين يا أمي …كنا ،صغارا وكبارا ، نضحك كثيرا ، ونتقاسم الفرح بالقليل أقاربَ وجيراناً ، ونحتفل بكل صغيرة وكبيرة مجتمعين …كنتُ مشتاقةً لمشاهدة مياه النهر الدافقة، وأشجار الصفصاف الشاهقة والدوالي والكروم ، وأشجار البطمة الكبيرة المنتشرة الظلال ،وصغار الشَّحَارِير والْحَسَاسين تَنِطُّ من غصن إلى غصن، والأقحوانِ ، وزرابي شقائق النعمان على الروابي ، وأسرابِ القنابرالمُحَلِّقَةِ في فضاء المكان …كنتُ متلهفةً لرؤية الخيول في المرعى،ولسماع أحاديث خالتي وبناتها في الليالي الهادئة ….لماذا أخلفت الميعاد يا أميمتي العزيزة؟ !
همستِ الأمُّ ، وقد رسمت على شفتيها ابتسامتها الساخرة الشهيرة، التي طالما واجهت بها أشد أوقاتها الحرجة :” انشغلتُ ذاك العام بإعادة تجهيز المطبخ والحمَّام …كنتُ أنافسُ جاراتي لأُسعدكم !! مضى ربيعٌ وربيعٌ….كَبُرتْمْ وطِرْتُمْ إلى أشغالكم ومنازلكم .(..ثم أردفت ضاحكة ) وبقيتُ أنا وحدي والمطبخُ الفارغُ ، و…زِلِّيجُ الحمَّام….. لك سيارتُك، خذي أبناءك واذهبي إلى ذلك المكان إن كنتِ مشتاقة ”
رمت خديجة الملفات جانبا، ثم تابعت بصوت حزين، وقد عَلَتْ وَجْهَها كآبة :” الأبناء مشتاقون إلى أماكن أخرى، ولهم رغباتٌ أخرى مغايرة لِما كان لَدَيَّ في صغري ، يبدو أنهم من زمن آخر يا أمي ، لا يُعجبهم حتى العجب ، أخشى أن لا يعتبروني إلا مُمَوِّلَةً لأنشطتهم …عالم آخر يا أمي…عالم آخر…ولو ذهبتُ إلى هناك ،فأين هي الخالة ؟ وأين النهر ؟ و الأشجار ؟ والحساسين ؟ والمرعى ؟والخيول ؟….بل أين طفولتي يا أمي؟.
وها نحن نجتمع في نفس المنزل كل أسبوع على الأقل،ولا نكاد نتبادل الحديث ، كُلٌ مَشْغُـــــــــــولٌ بذاته ، بعالمه الخاص ، كأننا في يوم الحساب ، الله يسامحني على هذا التشبيه…. أحلام صغيرة وسعيدة لم تتحقق يا أمي…”
أمْعَنَتِ الأم النظر في وجهها مطولا ثم قالت في هدوء :” ومتى كانت الأحلام الفردية الكبيرة مَصْدَرَ سعادةٍ يا ابنتي ؟ احمدي الله …فالكثيرون لم يحققوا لا كبيرة ولا صغيرة…”
خَـَّيمَ الصمتُ بُرْهَةً ، ثم قالت خديجة :” تمنيتُ لو عاد الزمن إلى الوراء ….لأُحقق ذلك الحلم الصغير …ولكي لا تُخلفي ميعاد خالتي.”
رفعت الأم ببصرها إلى السقف ، وكأنها تخترقه بنظراتها متطلعة إلى آفاق بعيدة . تَمْتَمَتْ :” لو عاد الزمن إلى الوراء يا ابنتي، لأنْكَرْنا أَنْفُسَنا ووُجُودَنَا ، والناسَ و الأمْكِنة …لِكُلِّ زَمَنِ أهلُه ، لكل زمن أحلامُه…فَــــــــــــــــــــاتَ الميعادُ يا خديجة.”
مقتطف من رواية “أوراق الصفصاف ” (في الطريق إلى النشر .))

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>