الرئيسية » اقلام حرة » مملكة الشوارع.. للكاتب عبد الكريم ساورة
FB_IMG_1499214495402

مملكة الشوارع.. للكاتب عبد الكريم ساورة

الدولة التي تفقد احترامها، هي الدولة التي تتخلى عن مبادئها في رمشة عين بمجرد ما تشعر بالخطر يداهمها، أو تتوهم أنها في منطقة الخطر. هذا ما تعيشه المملكة المغربية في الآونة الأخير من ارتباك واضح في اتخاذ القرارات المتناقضة والمجانبة للصواب بما بات يعرف بقضية حراك الريف.
أول ما يلاحظ في قضية الريف، هو هذا التحرك العظيم للأساطيل الأمنية بكل أنواعها، كأن هناك تسونامي يضرب المنطقة، أو هناك من يريد أن يوهم الملك محمد السادس أن المملكة مهددة بالفعل، وأن الريف هو المتزعم للإنقضاض عليها والدفع بها إلى الاندثار.
سوء تقدير كبير من طرف صانعي القرار، في معالجة هذا الملف وملفات أخرى بالمملكة، وهذا ناتج عن ضعف التكوين، والأنانية المفرطة، وغياب مؤسسات ومراكز مختصة في مجالات متعددة ، وهو ما يجعل المسؤولين في هذا البلد يتخبطون في أخطاء فادحة في كل مرة يظهر ملف من الملفات إلى الواجهة .
اليوم، الدولة تستعمل المقاربة الأمنية في أعلى مستوياتها، لم تستعملها حتى في فترات الربيع العربي عندما خرج شباب 20 فبراير في كل مدن المملكة، لقد أبانت الدولة حينذاك عن مرونتها وحكمتها في التعامل مع الاحتجاجات ولم يشكل الأمر أي تهديد أو خطر وكانت جل الاحتجاجات تطالب بسقوط الفساد.
هل شباب الريف اليوم يطالبون بسقوط النظام ؟ هل يطالبون بتغيير الملكية ؟ هل رفعت شعارات تطالب برأس الملك ؟ كل المتتبعين والمهتمين والإعلاميين يعلمون علم اليقين أن مطالب الريف إجتماعية محضة، ” الشغل والكرامة ” والسؤال: هل هاذين المطلبين يشكلان تهديدا وإخلالا بالنظام العام ؟
بهذا الخصوص تحضرني واقعة يحكيها الكاتب والروائي الكبير جبرا ابراهيم جبرا في كتابه ” الحرية والطوفان ” حيث يقول : كنت في حلقة جمعت بين لفيف من الشباب ونفر ممن يعدون أنفسهم ” وجهاء القوم ” وكنا نبحث في مسألة معينة واشتد النقاش على أشده، وجاء أحد الشباب وكان جد ملم بهذا الملف، وقام بتنويرنا جميعا عندما أحاطنا بفكرة جديدة وملهمة وألقت نورا جديدا على المسألة، وإذا أحد ” الوجهاء ” يجيبه، وقد تحاشى معالجة تلك الفكرة، قائلا : ” كنا في العشيرة، إذا جاءنا أحد برأي جديد، نقطع رأسه، فالرأي الجديد أول الفساد “.
والمتمعن جيدا يستشف الصورة الحقيقية لقضية شباب الريف، فالمسألة لم تبقى ذات طابع اجتماعي يطالب بها الريفيون، فالدولة لا يعوزها تحقيق ذلك، لكن المسألة أخطر وأعمق من ذلك وهو أن شباب الريف أصبح لهم رأي في قضية الحكم، بحيث أصبحوا يعتبرون أنفسهم جديرين بأن تتقاسما الدولة معهم صناعة القرار. لقد أصبحوا يرفضون لعب دور المستهلك ودور الخادم، ودور المستمع. وعلى هذا الأساس فهم يصرخون بأعلى صوتهم بأن يصبحوا شركاء حقيقين في اتخاذ القرار، في اقتسام الثروة، وما الجهوية الموسعة إلا الحاضن الأكبر لتحقيق هذا المطلب العادل. فأين هي الجهوية الموسعة على أرض الواقع ؟ يبدو أن الحل الأسهل هو أن تقطع رؤوسهم على حد تعبير أحد الوجهاء السابق ذكرهم.
المجحف في نظر هذا الشباب وأغلب شباب المملكة، أن الدولة تصنع المؤسسات ولا تلتزم بتشغيلها وإعطائها الفرصة لتكبر وتثمر، فهي مجرد بنايات بدون حياة وبدون روح، يلفها الفراغ من كل الاتجاهات، يتم تعيين ” وجهاء ” مقربون من السلطة، أو ” متملقون ” يقبلون يد الملك ألف مرة، يلقبون أنفسهم بخدام الدولة، يسرقون كل شيء، ويكذبون على الملك في كل شيء، ويبيعون كل شيء، همهم الوحيد هو الغنيمة ولو على حساب الجميع.
الدولة بدل أن تواجه هؤلاء اللصوص، الذين يتاجرون باسم الوطن، وتفتح معهم تحقيقات جدية كما يطالب شباب الريف، فقد وضعت رأسها في الرمال، ولم تستطع مواجهة الحقيقة، الحقيقة التي انكشفت ساطعة وأصبحت تتداول بين كل أرجاء الوطن، مفادها أن البلاد تغرق في الفساد، والمراقبة منعدمة، والمحاسبة مجرد ثرثرة ..
أمام هذا الوضع المؤلم المبكي المضحك، ماذا يبقى من خيار أمام شباب الريف، أمام شباب المغرب العاطل عن كل شيء ؟
الشارع، وحده الشارع من يعوض كل هؤلاء الشباب الذين أجهضوا ظلما وأنانية وافتراء على حقهم المغدور، إنهم شباب تم غدرهم من طرف السياسيين الجبناء المرتزقة، ومن طرف الإدارة الفاسدة ، ومن طرف الأسرة المنكوبة. ومن طرف المجتمع المتكالب عليهم. الشارع وحده من وجدوا فيه ضالتهم، المأوى، والظل، والأخ ، والصديق، والرفيق . إنه الملجأ الأخير، إنه الخيار الأخير، إنه المحكمة الكبرى لمحاكمة اللصوص والفاسدين وقطاع الطريق…..طريق الحرية والكرامة.
هل الآلاف من العسكر والبوليس والدرك والقنال المسيلة للدموع تستطيع أن توقف هذا التدفق الهائل من الشباب على شوارع المملكة ؟
لم يبق من خيار أما م الدولة سوى الحوار، الحوار الجاد مع مطالب الشارع، وليس طرفا آخر، لقد انكشف القناع ولا أحد يمكنه ابتداء من كتابة هذه السطور أن يلعب دور الزعيم، دور القائد، الزعيم الحقيقي هو الشارع، وعلى هذا الأساس فالدولة أضحت من أي وقت آخر مطالبة بتغيير لغتها الأمنية والتسلطية والبحث عن أسلوب آخر، وعن رجال جدد ، وعن نخبة جديدة ، وعن أفكار جديدة، وشركاء جدد، وعن سلطة جديدة، لقد تعفن الماء كثيرا كثيرا أيها الملك.
يبقى سؤال جوهري، هل سيتحقق التغيير هذه السنة أو السنة القادمة ؟ التغيير الحقيقي يحتاج فعلا إلى سنوات أخرى، وهل سيسقط النظام القائم ؟ لن يسقط بالمرة، لأن المغاربة لا يجدون أي نظام بديل مكانه في هذه المرحلة، لكن هل سيستمر الوضع بهذا العبث إلا مالا نهاية ؟ لن يستمر بالمرة لأن النظام لا يمكنه أن يبني سوى التكنات العسكرية، وأن يزيد في كل شهر من مرتبات البوليس والعسكر والقوات المسلحة لمواجهة الشعب، ولا يمكن أن يعيش بمفرده وفي عزلة عن أحلام ومطالب الشعب الحرة، سيقبل لا محالة أن يقتسم مع الشعب، الثروة والقرارات المشتركة حتى لايتم إعدامه يوما ما في شارع من شوارع المملكة .
كاتب مغربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>