آخر أخبار القلعة24
الرئيسية » أقلام سرغينية » من أجلك يا “هْرَا”، لن أبقى معلما عرضيا.. ذ.عبد الله لوريكة
louriga abdellah

من أجلك يا “هْرَا”، لن أبقى معلما عرضيا.. ذ.عبد الله لوريكة

ذ.عبد الله لوريكة

وقفت خديجة بجانب شجرة التوت العتيقة ، أمام منزل حماتها الرابض عل سفح الجبل. ظلت تتطلع إلى القمم المثلجة ،مندهشة من روعة المشهد وهي تفرك راحتيها في هدوء. أخذت نفسا عميقا ،ثم نفخت بين راحتيها الباردتين، وابتسمت لرؤية خيط بخار أبيض ينطلق من بينهما منتشرا في الهواء.
أحست بسعادة غامرة ، فهي ،لأول مرة، تنجح في إقناع زوجها بقضاء عطلة عيد الأضحى عند أهله ، منذ وفاة المرحومة أمه ; ثم إنها حققت لطفليها حلمهما بقضاء العطلة حيث الثلوج ، وقد اقتنت لهما كل ما تصورا أنه من لوازم العطلة هناك ( قفازات و بضع لوازم ظناها صالحة لرياضة التزلج ، إلى جانب ملابس العيد طبعا ).
تذكرت أن الزوج بدا مهتما حين أخبرته أن أكبر أبناء عمه( الحاج عمر المقيم بالبيضاء)سيكون رفقة أسرته هناك، وهو الذي لم يزر القرية منذ سنين طويلة.
راقبت أحد طيور الشتاء وهو يشدو مرتعشا على غصن التوتة العاري. فكرت في أخذ صورة للعصفور الصغير وهو يقاوم البرد مغردا . تراجعت إلى المنزل في هدوء مؤجلة الموضوع إلى فرصة أخرى ،مادامت لا تحمل هاتفها النقال.
قبيل الغروب دخل الصِّبْيانُ لاهثـين وضمنهم الصغيرة “زهرة” التي كانت تهتف :” ماما ، ماما ، عمي عمر وصل ، ومعه أولاده ، سيارتهم بيضاء كبيرة”.
اجتمع الأقارب في البيت الكبير يعيشون فرحـتين : فرحة العيد وفرحة لَمِّ الشمل الذي لم يتم لهم من زمن بعيد.
لاحظ زوج خديجة – وهو الطبيب الذي لا يغادر عيادته إلا لضرورة متعلقة بمهنته؟، أو في إجازته السنوية القصيرة – لاحظ أن عمر يخاطب الصغيرة وهو يلاعبها ب “هْرة” بدل ” زهرة “، تكرر الأمر ولا يبدو أن عمر كان يقصد ذلك . تساءل في سريرته ” لماذا لا ينطق حرف الزاي ؟ ولكنه ينطقه في كلمات أخرى؟” . تناسى الأمر.
بعد وجبة العشاء ، لم يبق في “القبة” إلا الرجال . خاضوا في مواضيع كثيرة ، أغلبها ذكريات وأحداث طريفة كانوا هم أو بعض أبناء وبنات البلدة الصغيرة أبطالها …. سَمَرٌ لذيذ .
تذكر الطبيب مشكلة عمر مع حرف الزاي، سأله بعد أن زال واجب التحفظ بينهما ، خصوصا وهما لم يلتقيا من أعوام طويلة ، أعوام لاشك يكون لها الفعل في المزاج وطريقة التفكير ، فالزمن لم يمر بجانبهما طبعا ، إذ لابد أن يكون له أثره في الداخل كما في الجسد، وللأمكنة فعلها أيضا :” يا ابن العم ، متى أصبح عندك مشكل مع حرف الزاي؟”
بُهت عمر برهة ، ثم سأل متهربا :” كيف؟”
أوضح الطبيب مبتسما : “كنت تنادي ابنتي ب “هرة” عدة مرات” ؟ !، ثم تابع وقد شجعته ابتسامة وعينا ” عليّ ” ،الأخ الأصغر لعمر:” أخبرنا بلا تهرب ، ما السر؟ أو سيخبرنا “علي” بدلا عنك بكل شيء ، لعلها من طرائفك ؟”
سكت عمر مطولا ، والجميع يحدق إليه ، ثم قال بصوت أقرب إلى الخفوت :” ليست طرفة ،إنها قطعة من حياتي ، قصة من زمن اشتغالي معلما عرضيا – بلغة اليوم- بالجبل.” .
هتف الطبيب : ” أو كنت معلما ؟ لا نعرف إلا كونك من كبار تجار الدار البيضاء،ومن الفاعلين الاجتماعيين أيضا”.؟
ثم التفت إلى الآخرين مشدوها:” أكنتم تعرفون هذا ؟”
أجاب عمر مبتسما وقد عدل من جِلسته “: تلك قصة طويلة وقديمة ،اتركها إلى فرصة أخرى إن شاء الله ، فهي ليست من طرائف ما عشناه في بلدتنا هذه …مرة أخرى … لنبق في البلدة وماضينا فيها.”
ألح الطبيب:” لا ، واااالو ؟ ولو سهرنا حتى الصباح ، لا تبخلْ علي يا ابن العم.”
أمام إلحاحه ، وإلحاح بقية الجالسين، قال عمر: ” بإيجاز، بعد إكمال تعليمي الثانوي، اخترت أفضل مهنة آنذاك ، التحقت بمركز المعلمين ، عزمت على التكوين الجيد ، بذلت كل طاقتي ، واظبت ، أنجزت العروض، – رغم قلة الكتب آنذاك ، ناقشت بكل جدية، ألقيت الدروس في عدة مدارس….وفي النهاية…”
” وفي النهاية ماذا ؟” سأل الطبيب.
رد :”رسبت في امتحان التخرج!! لم أتقبل الأمر … زملائي لم يستسيغوه … لا أحد من الأساتذة أعطاني مبررا…. كانت نظراتهم المواربة تخفي أمرا…. لم أقدر على العودة إلى البلدة وإخبار أمي التي ضحت بكل شيء ، حتى الدمالج التي ورثتها عن جدتي، وظلت تلتحق بي كل أسبوعين لتزويدي بالمؤونة ،حيث كنتُ أقيم مع “الطلبة” في بيوت الإحسان العتيقة …ولم تسترح إلا بعد ولوجي المركز والاستفادة من داخليته….” أضاف متنهدا:” بعد عشرين عاما التقيت أحد الأساتذة في حفل تكريم بعض الشخصيات بالدار البيضاء ، تذكر اسمي عند سماعه ،وسألني إن كنت أعرف شخصا بنفس الاسم واللقب ،كان بمركز المعلمين .أخبرته بكوني الشخص المعني ،و لم يصدق في البداية . تذكرت أسمه والمادة التي كان يدرسها. لاحظت أنه يتردد في السؤال عن أي طريق سلكت. ذكَّرته أني رسبت ، واتخذت طريقا آخر في الحياة…همس ونحن نتقدم حيث الحلويات وكؤوس الشاي:” أنا أيضا اتخذت طريقا آخر…صرت محاميا…أنت لم ترسب ،أحدهم عمل على ذلك عن قصد ، تحدى جميع أعضاء المجلس بنقطته الموجبة للرسوب…الجميع اعتبرها تصفية حساب ، كُنْتَ تُجَادله كثيرا ،، غادر المركز هو أيضا ،وكنا ننتظر عودتك لدورة تخرج أخرى …لم تعد …الخير في ما اختاره الله.”
“لم أُعَلِّقْ، لكن مر شريط طويل من صور ألمي ومعاناتي بسبب ما اختاره لي شخص لم أعد أذكر اسمه …مهما يكن ،فلهجتي وطريقة كلامي البدوية ،التي لا تخلو من جرأة فطرية، طالما سببت لي المتاعب …أتساءل دائما : لو كان ذلك الأستاذ يعرف شيئا عن نشأتي وبيئتي كيف كان ينظر إلي؟ …ومع ذلك مارست التعليم؟” !
ارتشف قليلا من كأس الشاي ثم أضاف.” قضيت عاما بجامع الفناء بمراكش،اشتغلت مساعدا لكتبي في الساحة ، هناك تعلمت الكثير ، معارف ربما لا تتيسر لشخص إلا هناك . وقرأت كثيرا…في كل مجالات المعرفة ..(ضاحكا) حتى “كفاحي” لهتلر ،وأشعار نيرودا ولا مارتين وإليوت وروائع تشيكوف و همنغواي ودوتسيوفسكي ،وأغلب كتاب الغرب ،إضافة إلى روائع الرومانسيين العرب وكبار الإصلاحيين ( مبتسما) ، اعذرني أيها الطبيب…وجاءتني فرصة ممارسة التعليم …؟”
سال الطبيب متعجبا :”كيف”؟
أوضح :” تعلم أن وزارة التعليم تُكون أعدادا كبيرة كل عام ، ومع ذلك احتاجت إلى خدمات من يَسُدُّ الخصاص…في تلك المرحلة استعانت بما أسمتهم ” العُرفاء” …ربما تحرجت من هذه التسمية …معلم “عريف “؟ عريف ولم يستفد من اي تكوين ،؟ولفظ “عريف” حربي، وصفة مبالغة في المعرفة ؟ ومع ذلك أعطى الكثير من العرفاء ما لا ينكره إلا جاحد …. بعضهم طور معارفه وتابع تأدية رسالته…. البعض استعان بالأجر الهزيل وتابع دراسته ..أعرف من بينهم مسؤولين كبارا…بل وكُتابا مرموقين أيضا . في تلك السنة ، أخبرني صديق بإمكانية العمل كمعلم عَرَضي. نعم عرضي يؤذي مهمة تبني شخصيات أطفال وتترك أثرها لعقود ؟ أرأيت ؟ وأغلب العرضيين من متفوقين تعطلوا بل عُطلوا لأسباب كثيرة….المهم صرتُ معلما عرضيا …أنا عرضي أقوم بمهمة من أخطر المهام التي يمارسها بشر….وبالأحرى أن تكون مهمة عرضية…تم تعييني أواخر دجنبر ، في عز الشتاء ،في منطقة جبلية ، تقدر المسافة فيها بالساعة ، لا بالكيلومترات؟ يقولون :توجد كذا على بعد عدد من الساعات …لا أثر لوسائل النقل، العزلة التامة، ومع ذلك ، فلمدرستي حكاية : في البداية ، وبتوجيه من متعلمين ترجع أصولهم إلى المنطقة ، تقدم بعض السكان بطلب إنشاء مدرسة إلى نيابة التعليم بالإقليم ، وما أدراك ما مِساحة الإقليم آنذاك ،هي ما أصبح اليوم أزيدَ من عشرة أقاليم….سمع بعض رجال السلطة بوضع الطلب فاعتُقٍلَ المبادرون بحجة التمرد و التحريض و”ومحاولة تجهيل المخزن ، والتخطيط بدلا عنه ، فالمخزن يعرف شغله ويعرف متى وأين ينشئ المدارس التي هي مدارسه…” ( ضحك الجميع) ، أرأيت وضع المجتمع المدني في ذلك الزمن القريب؟ …. بعد تدخل أحد العسكريين الكبار ممن تعود جذورهم إلى المنطقة ، أُطلق سراحهم ، ووعدهم النائب بإرسال المعلمين إذا بنوا الحجرات ،ريثما تبرمج لهم حجرات دراسية…..بنوا حجرتين ، رفضتهما السلطة المحلية بدعوى كونهما لا تتوسطان القبيلة ، وسلمتهم دار ”روبير” ، كانت لأحد المعمرين الذي كان يقصدها في موسم القنص، وهي بعيدة عن الجميع ، لا يصلها إلا أولو العزم من الكبار وبالأحرى الصغار…..أصبحتُ أحد فرسان ”دار روبير”بعد انطلاق التدريس فيها بسنوات ! هناك عرفت ”هْرة” …زهرة يا ابن العم .
ما أعرف هوأن كل أبناء العالم يفرحون بالنجاح، تلاميذ “دار روبير” النبغاء الصابرون يكرهون الخامس ابتدائي ،يحزنون لاقتراب نهاية السنة الدراسية…أغلبهم متفوق ونجاحه أكيد ، لكنه لا يفرحون لذلك ، يودون الرسوب ،ومنهم ومن آبائهم من يطلب منا ذلك، لأن نجاحهم يعني نهاية الدراسة … نهاية الطفولة يا دكتور . لا إعدادية قريبة تستقبلهم ولو في الأحلام …ناذرا ما يجد أحدهم قريبا له في منطقة ما، يأويه …لعله يندمج ويتابع دراسته…و”هْرَة ” من الفوج الأول ”لدار روبير”….أكْمَلَتْ …وخرجت ترعى ماعز أبيها الأرمل الأعمى، وترعاه هو أيضا. !!
وهنا تبتدئ القصة يا ابن العم ،ويبتدئ رفض الوضع العرضي. “(يتبع)
** مقتطف من ( أوراق الصفصاف)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>